ابن أبي الحديد

108

شرح نهج البلاغة

وآثار نقتدي بها ، ونشهد أن الله صادق فيما وعد ، وعدل فيما حكم ، وندعو إلى توحيد الرب واليقين ، بالوعد والوعيد ، وأداء الفرائض ، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والولاية لأهل ولاية الله ، والعداوة لأعداء الله . أيها الناس إن من رحمه الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون على الألم في جنب الله ، ويقتلون على الحق في سالف الأيام ، شهداء فما نسيهم ربهم ، وما كان ربك نسيا . أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلتم بالقيام عليه ، وقابلوا الله حسنا في أمره وزجره ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم . قال : وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا ، يحسن السيرة في الناس ، ويلين جانبه لهم ، ويكف الأذى عنهم ، وكثر جمعه ، وأتته الشراة من كل جانب ، فلما كان في وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف ، وبلخ بن عقبة ، وأبرهة بن الصباح إلى مكة ، والأمير عليهم أبو حمزة في الف ، وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس ، ويوجه بلجا إلى الشام ، فأقبل المختار إلى مكة يوم التروية ، وعليها وعلى المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مروان بن محمد بن مروان ، وأم عبد الواحد بنت عبد الله بن خالد بن أسيد ، فكره عبد الوحد قتالهم ، وفزع الناس منهم حين رأوهم وقد طلعوا عليهم بعرفة ومعهم أعلام سود في رؤوس الرماح ، وقالوا : لهم ما لكم وما حالكم ؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبري منهم ، فراسلهم عبد الواحد في ألا يعطلوا على الناس حجتهم ، فقال أبو حمزة : نحن بحجنا أضن ، وعليه أشح ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض ، حتى ينفر الناس النفر الأخير ، وأصبحوا من الغد ، ووقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة ودفع عبد الواحد بالناس ، فلما كانوا بمنى ، قيل لعبد الواحد : قد أخطأت فيهم ، ولو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس ( 1 ) .

--> ( 1 ) أكلة رأس ، أي عددهم قليل يكفيهم رأس واحد .